أن تنقلب حياتك بين ليلة وضحاها وتتحرك المياه من مجراها أمر ليس بالهين وخصوصا إذا جرى تيار الأقدار عكس توقعاتنا فننهار.
أول مرة ستتعرف عليها كانت صدفة؛ بينما هي جالسة تقرأ كتابها في محطة انتظار الحافلة يمر عليها الصغير والكبير,ينظرون إليها نظرة تأملية تعجبية ,تحمل كتابا كأنها تحمل كائنا من عالم مجهول، كأنه قنبلة ذرية أو نووية ستفجر المكان, لكنها لاتبالي فهي منغمسة مستخذية له وعلى حين غرة أتت فتاة ذات قامة هيفاء ,مرتدية عباءة حمراء وعلى رأسها غطاء تفر منه بعض خصلات شعرها السوداء . جلست بمحاذاتها وهي الأخرى كانت تتطلع إلى الكتاب بلهفة وشغف كبير، تتوق لمعرفة مابداخل ورقه الكثير, تختلس النظر إليه كأنها تترقب حدثا من خصاص الباب لكنها سرعان مانهنهت من الوضع ،تمنت لو أنها تملك ذلك الكتاب بين يديها ولهذا هذه المرة تشجعت ودحرت خجلها جانبا ثم تقدمت فسألتها بحيطة وحذر شديدين عن إمكانيتها في استعارة الكتاب,اندهشت أمل في البداية من طلب الفتاة الغريبة لكنها سرعان ما قابلت الطلب بابتسامة عريضة على محياها ثم أجابت بالقبول؛فأخذتا تتجاذبان أطراف الحديث لقد عرفت أمل ,تلك الفتاة البالغة من العمر الثامنة عشرة خريفا ,هبة التي تملك قلبا يتسع للعالم بأسره , تحترم الكبير وتعطف على الصغير,مجتهدة,جادة,طموحة,خجولة, لقد كانت تتقاسم معها جل الصفات حتى عشق القراءة. تقول أمل:"بالقراءة أعيش تارة طفلة بريئة, وتارة مراهقة طائشة, وتارة أخرى امرأة ناضجة, رزينة.. أعيش جميع الأعمار و أزور كل الأقطار." هما معا وطأتا المكان الذي جمع بينهما فرد من أفراده إنها المكتبة .دخلتاها وهما تعبران السجادة الحمراء المخملية متشابكتا الأصابع والإبتسامة لاتفارق ثغرهما.المكان الفسيح ذا المساحة الشاسعة والذي تتوسطه طاولة ضخمة محاطة بكم هائل من الكراسي المطلية باللون الأصفر الذهبي وتلك الرفوف الخشبية التي تحيط بالقاعة مرتبة واحدة تلو الأخرى، منظمة أدهى التنظيم. ياله من مكان رائع! تاهت فيه كلتاهما مع شتى الكتب بشتى أنواعها, أشكالها, لغاتها, وحتى أحجامها.... كان لها دور في حياتهما .. فهي المكان الذي لطالما ترددتا عليه أكثر من غيره.
الصداقة هي ماجمع بين الاثنتين, العلاقة التي لم تعرف هبة لها طعما؛ طعم الصداقة بحلاوته المحضة ونقاوته البحتة إلا بعد دخول أمل حياتها. أمل التي علمتها كيف يصبح القلبين قلبا واحدا, بنبضة واحدة, ألم واحد وسعادة واحدة , والتي ظنت لفترة أنها لن تقيم علاقة من هذا النوع مع أحد غير نجوم سمائها إنهم كتبها.وهاهما الآن بعد أن وجدت كل واحدة منهما توأم روحها في الأخرى.
في يوم من أيام كانون الثاني الباردة شعرت أمل بألم فظيع يجتاحها من مقدمة رأسها إلى آخر عنقها , عاودها الألم مرات عِدة وكانت تكتفي ببلع بعض الكبسولات التي كانت تفي لتهدئتها إلى أن سقطت ذات مرة من شدة الألم وهي بالمكتبة كعادتها مغمى عليها, ذهبت بها صديقتها نحو أقرب مستشفى.
انتظرت هبة خارج الغرفة بينما كان الطبيب داخلها يتفحَّص أمل؛ قرابة الساعة إلا الربع, لما خرج أومأ برأسه إلى هبة التي اكفهر وجهها وتقطب حاجبيها من شدة الغضب فتبعته متجهة نحو مكتبه . لقد تساءلت كثيرا عما حل بصديقتها وهاهو الطبيب فؤاد يطلعها الخبر , أخبر هبة أن رفيقة دربها خانعة للداء الكمين ؛ هو مصدر ذلك الأنين , إنه الورم الخبيث ؛ السرطان الذي استحوذ على جزء مهم من المركز العصبي الواقع في جمجمتها. وقع الخبر على قلبها كسهم مارد يخترق الجوزاء والطعنة كانت نجلاء, بعد استرجاع نفَسها الذي قُطع بعد تلقيها الخبر مباشرة إثر الصدمة لقد طارت نفسها شعاعا, قفزت من مكانها سائلة الطبيب فؤاد:<< الحل يادكتور؟؟>> ,
أجاب:<<إجراء عملية جراحية مستعجلة على مستوى الدماغ وفي أسرع وقت.>>.
هبة بأسى وحزن:<<وهل هناك من خطر ؟؟>>,
الطبيب بقسوةمأأا:<<احتمال فشل العملية 100/60.>>
بئس الأطباء من هذا الصنف يتعاملون ببرود يدوسون على المشاعر وهم قعود ،لكن في الأول والأخير تبقى مجرد نسبة مئوية" توكل على الله وقم بها" هذا كان جواب هبة. ياللمصيبة التي ربما ستدمر العلاقة الوطيدة, لكن هي أقدار فلن يصيبنا الا ماكتب الله لنا ، قدر الله وماشاء فعل. تأهبت أمل للعملية دون أن تدرك مامصيرها وربما ستلقى حتفها. أطلت عليها هبة بحرقة وهي تخدًّر؛ فأخذ النوم بمعاقد أجفانها حتى أسلمت عيونها للكرى فناما, أسرعت إليها مقعية على أذنابها والشجن يلاحقها, تمُت إليها حتى لاتتركها, أن تقاوم المنية وتتمسك بالحياة قبل أن تسلب منها. داعبت غديرتها السوداء بأنامل واجفة , قبلت جبينها الذي ارفض عرقا . بعد لأي دلف الطبيب ، أبعد هبة التي كانت شبه جثة هامدة ثم ذهب بأمل لغرفة العمليات .كانت تجول أرباض المستشفى كالمختبل, تنتظر كانتظار عقيم تتمنى انجاب طفلة ,أخذت تدعو الله دون كلل أو ملل, أخذ لسانها يتحرك دون هواد. وبعد انتظار دام ست ساعات أو ربما أكثر بقليل، قاربت خلالهما على التهافت ، فتح باب الغرفة فإذا بالطبيب يخرج منها متجها نحوها مشيرا بسبابته وإبهامه مكونا حلقة فارغة ،قائلا :" لقد كللت العملية بالنجاح , الحمد لله".
تنفست الصعداء , شكرت الله شكرا كثيرا حامدة إياه .ثم الطبيب الذي أجاب متنزلا :"إن هذا لواجب ستسترجع وعيها في بحر ثلاثة أيام , مامرت به ليس بالهين , إنها في فترة نقاهة".
أمضت هبة الثلاثة أيام ببكورها وآصالها خاملة أمام توأم روحها , قريحة الفؤاد , دامعة الشؤون إلى أن حل اليوم الثالث أصيله إنه ليوم أغر محجل ؛ استرجعت فيه أمل وعيها, منفثأة , نهضت هبة من غفوتها فوجدت أمل ممسكة بيدها , والإبتسامة تعلو وجهها ,نطقت هبة بصوت يكاد أن لايسمع:"أأأأأأأمل , هل استفقت من الحلم المرعب وأخيرا ؟ أم أنني في حلم جميل وسأستفيق منه قريبا؟ " , أمل بنبرة حادة , هادئة:" الحلم المرعب انجلى , كانت مجرد أضغاث أحلام", عانقتها بشدة , الدموع التي لم تذرف منها هبة ولو دمعة واحدة لما كانت أمل خلف الغرفة الحمراء انسكبوا أخاديدا , أخاديدا .. وهي تعانق أمل لحظتها قالت لها و ماتزال مرتمية على صدرها ممسكة ذراعيها بشدة:"أنت وميض الأمل الذي يلمع في أفق سمائي ,لولاك لما...." قاطعتها :" أن أقدم حياتي ثمنا لفكرة أؤمن بها ,أن أموت شهيدة لأرسم طريق المستقبل لمن بعدي، وأن أبعث الحياة في أمة برمتها , إنها لغاية السعادة في نظري, فيكفيني أن تنشر رسالتي التي مازلت أتحسر عليها , فأن تلبي الأمة التي ننتمي أنا وأنت إليها ؛ أول أمر أنزل على رسولنا ورسولها {عليه أفضل الصلاة والسلام}فذلك يعني بزوغ فجر وليد وعهد جديد, كفانا حسرة الآن , لنضع يدا في يد ونرتقي، لنحقق النصر والمجد ، ماأصبت به –أنا- كان ورما في دماغي فحسب أما أدمغة الأمة جلها فهي ملوثة بأخطر داء يمكن أن يصيب العضو الذي ميزنا به تعالى عن المخلوقات إنه الجهل , بالقراءة سننظفها ونرتقي بها ,بالقراءة فقط يمكن ذلك, بالقراءة." هبة :" صدقت ياعزيزتي , أو هناك خطة عملية ببالك؟؟" أمل بإصرار:" نعم تعالي معي , سأريك شيئا ما..."، ذهبت بها للمكتبة وبمحفظتها جل ما تبقى لها من النقود اشترت عددا من الكتب , فحملتها معها وبمساعدة من الدكتور فؤاد الذي لم يضن بمد يد المساعدة هذا الأخير الذي وان كان حاصلا على شهادة الدكتوراه فانه لم يكن مثقفا حقيقة بل كانت تلك مجرد ورقة خط عليها وانتهى أما بعد دخوله عالم الكتب ؛فقد أصبح طبيبا أروع بكثير مما كان عليه حتى أخلاقيات المهنة التي لم يكن يعرف عنها شيئا والتي لا تدرس للأسف أصبح ملتزما بها. ذهبوا جميعا إلى محطة انتظار الحافلة وبحوزتهم عدد مهم من الكتب, المكان الذي التقت فيه أمل بهبة لأول مرة مازال الناس على سجاياهم , الرعاع والعربدة حينا, الفضول والتطفل حينا آخر.المهمة أصعب بكثير هذه المرة فلن ينظر الناس لكتاب واحد بل أصبحو كتب, سيتمكن كل واحد منهم من التطلع للكتاب الذي يفضله ويختاره, ستتاح لهم فرصة القراءةإن لم يذهبوا للمكتبات فهم من سيخرجونها لهم , أخذ كل من أمل, هبة ,وفؤاد مجموعة من الكتب وبدؤوا في توزيعها على الناس مع اعطائهم بعض الارشادات ، لما أنهو المهمة جلسوا على المقعد ذاته الذي جلست فوقه الصديقتين منذ أزل ، كانت أمل تتوسط صديقتها وطبيبها ،تنظر للناس وكل واحد منهم مهتم لأمر الكتاب الذي بيده يفتش بين دفتيه عن شيء ما بخجل ، كأنه طائر غريب عن سربه، رويدا رويدا سيعتاد المهم أن الوضع استحال ، قالت هبة وفؤاد في الآن ذاته:"خطوة مهمة، أنهينا المهمة بنجاح" ثم تقدمت امل لتتكلم:"المهمة لم تنتهي بعد , هذه بداية وليست نهاية , عندما نلتقي هناك في الجنة يا غالي وياغالية , هناك في الفردوس العالية , ونلتقي بخير البرية , قائلين لقد بلغنا الرسالة بتلقائية, وأمة إقرأ عادت لتقرأ بعفوية، إنتصرت وأخيرا على الجهل الطاغية."
النهاية

